إنكار الوباء – أناس لا يستطيعون تقبل الواقع

21 مايو، 2020
إنكار الوباء يكلف الأرواح. لم يتحرك العديد من الناس (والسياسيين) حتى الآن لمواجهة الحقيقة، وهو ما قد يؤدي إلى تأثيرات مدمرة. ما تفسير ظاهرة إنكار الوباء؟ تابع القراءة لاكتشاف المزيد عن الموضوع.

في خضم المعركة التي يخوضها العالم ضد فيروس كورونا المستجد، تحدث ظاهرة غريبة ومثيرة للاهتمام. نتحدث هنا عن إنكار الوباء أو أفراد لا يصدقون وجود أزمة حقيقية.

يشمل ذلك أناس عاديين وشخصيات بارزة في المجتمع، والذين لا يرون ولا يتقبلون خطورة الوضع حتى الآن.

وبرغم أن هذا السلوك موجود دائمًا بين البشر في كثير من المواقف، إلا أنه لا يزال يفاجئنا عندما يظهر في أوقات الطوارئ التي نعيشها الآن.

منذ بضعة أسابيع، دعا بوريس جونسون، رئيس وزراء المملكة المتحدة، إلى تطبيق استراتيجية “مناعة القطيع”. وهو ما يعني السماح للسكان بالتحرك بحرية تامة حتى يصاب عدد كبير منهم بالمرض، مما سيطور مناعة طبيعية ضده لديهم. وتم إعلامه بعد ذلك أنه إذا اتبع هذه الاستراتيجية، قد يصل عدد الوفيات إلى نصف مليون شخص. ولذلك، تم فرض العزل المنزلي في بريطانيا الآن.

يمكننا تقديم أمثلة أخرى مذهلة أخرى لظاهرة إنكار الوباء كأندريس لوبيز أوبرادور، رئيس المكسيك.

شجع الرئيس المكسيكي سكان البلد على “الخروج لتناول الطعام، عيش حياتهم بشكل طبيعي، والاستمرار في إقامة المناسبات العامة حتى لا يتوقف اقتصاد البلد.”

انعدام المسؤولية التي يتسم بها هؤلاء الأشخاص يمكن أن يكون مدمرًا على المدى القصير والمدى الطويل على حد سواء.

وبطبيعة الحال، نحن نعرف أنه في خلال بضعة أيام أو أسابيع على الأكثر، ستنتهي ظاهرة إنكار الوباء لدى هؤلاء القادة وسيدفعهم الواقع في النهاية إلى تطبيق الإجراءات المقيدة الوقائية.

فلاديمير بوتين، رئيس روسيا، هو مثال على ذلك. ففي البداية، كان ينكر وجود وباء في بلاده. ولكنه الآن فرض الحجر الصحي. على الجانب الآخر، في بعض هذه الحالات، يمكن لضرر كبير أن يحدث بالفعل قبل تغيير المسار وهو ما قد يتسبب في آثار سلبية هائلة على صحة السكان.

ننصحك بقراءة:

الميمز وفيروس الكورونا – الكوميديا في مواجهة المحنة

ظاهرة إنكار الوباء

لا يظهر إنكار الوباء بشكل حصري في الدوائر السياسية. الأمر الأكثر خطورة هو أنه، على المستوى الشخصي، يكسر العديد من الناس القيود المفروضة عليهم الآن بسبب الأزمة.

قد نقول أنهم غير مسؤولين ببساطة. ولكن، من منظور نفسي، يثير هذا السلوك الاهتمام لأسباب متعددة.

ففي حين أن الكثيرين يشعرون بالخوف والقلق في وجه الفيروس غير المعروف، لا يدرك البعض مدى خطورة الموقف.

وبرغم صور المستشفيات التي تعاني في محاولة مكافحة الأزمة في العديد من المدن، عدد المصابين الذي يتزايد بشكل ضخم يوميًا، وعدد حالات الوفاة التي غيرت شكل العديد من الأماكن حول العالم، لا يزال هؤلاء يشعرون باللامبالاة.

اقرأ أيضًا:

الصحة العقلية – كيف تحميها من تأثيرات الأزمة العالمية الحالية؟

 تفسير ظاهرة إنكار الوباء

نظرية العقل

تخبرنا نظرية العقل بأن البشر قادرون على إسناد الأفكار والنوايا للأشخاص الآخرين.

يعني ذلك أننا نحاول فهم وتوقع ما يفكر فيه من حولنا وكيف سيستجيبون في مواقف وظروف معينة.

وداخل هذا الإطار، يوجد ما يُعرف بخطأ الإسناد. يحدث ذلك عندما نعتقد أن الناس يتصرفون بشكل خاطئ أو يبالغون.

يشير الخبراء إلى أن أدمغتنا تفشل أحيانًا في اتباع أهم غريزة بالنسبة للبشر، ألا وهي غريزة البقاء. ولفهم ذلك بشكل أفضل، نقدم المثال التالي.

تخيل أنك رأيت مجموعة غزلان تجري كأنها جُنّت جميعًا، واعتقدت أن هذا السلوك سلوك غبي. فإذا استمرت على هذا المنوال، قد تقتل بعضها البعض. وفي هذه الحالة، أنت لا تأخذ في الاعتبار أن هذه الحيوانات تجري في محاولة للهروب من حيوان مفترس خطير يطاردها.

اكتشف:

كيف تتعامل مع نزاعات المراهقين أثناء الحجر الصحي

سعادة الفرد ضد حماية المجموعة

تأثير آخر يفسر ظاهرة إنكار الوباء هو حفظ الذات أو حب البقاء. ولكن يجب علينا أن نفرق بين نوعين مختلفين منه: الأول يرتبط بالفرد؛ والثاني بالمجموعة (البلد).

من ناحية، يضع البعض أنفسهم كأولوية قبل أي شيء آخر. فهم غير مستعدين لتغيير أسلوب حياتهم حتى خلال هذه الأزمة.

العديد من الناس يعتقدون أن فيروس كورونا يشبه فيروس الإنفلونزا العادي أو أنه لن يصيبهم أو يؤثر عليهم بأي شكل من الأشكال. وفي نفس الوقت، لا يأخذون في الاعتبار الخطر الذي يمثلونه بسلوكهم على الآخرين.

على الناحية الأخرى، نجد السياسيين الذين لا يرغبون في إبقاف عجلة الاقتصاد. وفي هذه الحالة، فهم يؤمنون بأن التأثير الاقتصادي الذي قد تعاني منه الدولة بسبب توقف الأنشطة الاقتصادية الاعتيادية سيكون أسوأ من تأثير الوباء على مستوى الخسائر البشرية.

قد يهمك:

الحجر المنزلي – كيف تتعامل مع الوضع إذا كنت تعيش وحيدًا

تأثير الاغتراب عن الواقع

بجانب كل المذكور، إنكار الوباء يرتبط بأحد الأبعاد الغريبة والمثير للاهتمام. نحن نشير هنا إلى ما يُعرف بتبدد الواقع أو الاغتراب عن الواقع.

يستيقظ هؤلاء الأفراد في الصباح، يجدون الشمس مشرقة والسماء صافية. لديهم اتصال بالإنترنت، طعام في الثلاجة، وأناس يحبونهم حولهم. ويسألون أنفسهم: لماذا يجب علي أن أصدق أن هناك وباء حقيقي يقتل هذا العدد الكبير من الناس؟

للبعض، كلمة وباء هي مجرد فكرة من الأزمنة القديمة. بجانب ذلك، يؤمن عدد كبير من الناس أنه، في عالمنا المعاصر والمتقدم، نستطيع إيجاد حل لأي مشكلة تواجهنا بسرعة. فهم يعتقدون أن الخبراء سيحلون الأزمة في ظرف أيام قليلة.

نضيف إلى هذا المنطق اللاعقلاني أن جزء كبير من السكان اعتاد على رؤية العالم من خلال عدسة وسائل التواصل الاجماعي.

فبالنسبة لهم، أصبح كل شيء بعيدًا. لا يمكن لمسه، لا يمكن شمه، لا يمكن الشعور به، فهو إذن ليس خطيرًا. يشبه الأمر مشاهدة فيلم على نتفليكس.

تبدد الواقع يجعل المرض والفقدان تأثيرات بعيدة عن منزلنا وحياتنا اليومية. فينتج عن ذلك أناس لا يتقبلون خطورة الوضع أو ضرورة التصرف بشكل مسؤول.

إنكار الوباء سيكلفنا أرواح كثيرة، وسيجعل عملية مكافحة الأزمة تستغرق وقتًا أطول. تحمل المسؤولية والتزم بالإجراءات الوقائية!